حيدر حب الله

323

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

أنّ علينا النظر في كلّ باب من أبواب صحيحي البخاري ومسلم ، فالرواية الأقوى سنداً والخالية عن أيّ مغمز على الإطلاق وفقاً للمعايير الحديثية المتشدّدة ، ولم يتكلّم أحد في أحدٍ من رواتها عدالةً ووثاقة وضبطاً ونحو ذلك ، أو في تركيب إسنادها من حيث الاتصال والانقطاع ، ستعتبر من روايات الأصول في الباب ، فالحديث المرويّ في الأصول هو الحديث الأقوى في الباب وما دونه يندرج عندهم في الشواهد والمتابعات ، خاصّة لو كان أحد الرواة ممّن ورد فيه طعن ما . وقد اختلفوا في تعيين الرواية ، فقال بعضهم بأنّ الرواية الأولى في كلّ باب هي الأصل وما بعدها شواهد ومتابعات ، وقال بعضهم بالعكس تماماً بأنّ الرواية الأخيرة هي الأصل ، وقال آخرون بأنّه لا توجد قاعدة حاسمة هنا ، وإنّما العبرة بالنظر في الباب حيث لابد من وجود حديثٍ حاوٍ لشروط البخاري ومسلم ، فيكون هو الأصل وما كان دونه في المواصفات فيكون من الشواهد والمتابعات . ولا يهمّنا مثال البخاري هنا ، بل ما يهمّنا هو منطقيّة الفكرة ، ووجودها في ثقافة المحدّثين ، فأيّ مانع أن يكون الكليني قد فعل ذلك ؟ وأيّ مانع أن يكون الكليني حتى لو بنى على حجيّة خبر الثقة أن يعتمد طريقة ذكر رواية واحدة على الأقلّ صحيحة السند في كلّ باب مع اعتبار سائر الروايات بمثابة مؤيّدات وشواهد ؟ وقد رأينا سابقاً كيف أنّ بعض العلماء - كالشيخ جواد التبريزي وغيره - فهم ذلك من بعض التوثيقات العامّة ، مثل توثيق رواة كامل الزيارات ورجال التفسير المنسوب للقمّي . ولعلّ ما يعزّز ما نقول أنّنا نلاحظ في كلمات بعض الرجاليّين تعابير من نوع تضعيف شخص ، ثم التعليق بقولهم : « ويجوز أن يخرّج شاهداً » ، وهذا التعبير ورد كثيراً في كلمات ابن الغضائري ، والظاهر أنّه يعني ما قلناه عن الشيخين : البخاري ومسلم ، أو أنّ معناه - على ما ذكر السيد علي البروجردي « 1 » - تخريج الحديث بصيغة المبنيّ للمجهول ، بمعنى

--> ( 1 ) انظر : طرائف المقال 2 : 272 .